منوعات

“البشر الآليون”.. اندماج الآلات والبشر حقيقة مؤكدة

ليسوا روبوتات.. من هم البشر الآليون؟

لا تجد أماندا كيتس حرجا في ذلك الوصف الذي يلاحقها دوما كامرأة ذات “ذراع آلية”، كما يحب أن يناديها دوما أطفال فصلها الذي تعمل به في مركز كيدي كوتيج التعليمي بولاية تينيسي الأمريكية، بل إنها قد تعودت أن تتباهى بتلك الذراع أمامهم مدللة على أنها تستطيع عمل أكثر الحركات صعوبة يوما بعد يوم.

تعتبر أماندا أن ذلك ثمنا بسيطا ومؤقتا لما قدمته لها التكنولوجيا في العودة لحياتها الطبيعية من جديد، بعد أن فقدت ذراعها اليسرى بالكامل في حادث سيارة في عام 2006، وشعرت وقتها أن حياتها قد انتهت بمثل ذلك الحادث المأسوي.

bc19fd6b99a64515a4ae0528e2080a72241ede6e_800x600

في هذه الأثناء، وعلى بعد آلاف الكيلومترات داخل الولايات المتحدة، كان العلماء بمعهد شيكاجو لإعادة التأهيل يعملون على تقنية جديدة في مجال الأجهزة التعويضية، فكما يوضح روبرت ليبشوتز أن التقدم في مجال الأطراف الصناعية لم يتقدم كثيرا في المائة سنة الأخيرة، فالفكرة الأساسية ما زالت تدور حول مفصلات ومثبتات تحركها روافع متصلة بها عن طريق أسلاك ومحركات، فالأذرع الصناعية المعتادة تثبت على الجسم بقميص صدري، وتنتهي تلك الذراع بكلابة معدنية، وعندما يريد مستخدمها فرد ذراعه فعليه أن يدور برأسه ويضغط تلك الرافعة تحت ذقنه، ومع تلك الصعوبة في الاستخدام التي تسبب لمرتديها آلام الرقبة، ومع زيادة وزن ما يحمله، يكون من الطبيعي أن يعزف الجميع عنها رغم احتياجهم لها.

bionics_001_slide-9fa7f5e556e86c9933e91ee127d02700b5b663c6-s800-c15

أما التقنية الجديدة التي عمل عليها أطباء معهد شيكاجو، وبدأوا في اختبارها منذ عام 2002، أرادت الوصول إلى داخل المخ وأخذ إشاراتها من هناك، تماما كما كانت ستحرك تلك الإشارات اليد الحقيقية في حال وجودها، لذا فقد طارت أماندا مع زوجها إلى إلينوي لتلتقي بالباحث تود كويكن بنفس المعهد، والذي أصبح مسئولا عن مشروع “الذراع الإلكتروحيوية” bionic arm.

bigimage

كان تود يعرف جيدا أن جذع الجسم، حتى بعد بتره، يظل حاملا لتلك الإشارات القادمة له من المخ، ويمكن عندها توظيف كمبيوتر صغير يستخدم تلك الإشارات لتشغيل محركات كهربية داخل الطرف الصناعي، وقد تحاشى استخدام أسلاك معدنية خوفا من حدوث عدوى في أماكن دخولها إلى الجسم، وقد وجد في ربط تلك الأعصاب القديمة ببعض العضلات ضالته عندما تنكمش أو تتمدد فتبعث بإشارات كهربية قوية تستقبلها إلكترودات أو قضبان على الجلد، وقد خضعت أماندا إلى مثل تلك العملية المعقدة التي وصلت فيها أعصابها إلى عضلات مختلفة في أعلى ذراعها المبتورة، جعلتها تشعر على مدي الشهور التالية، التي نمت فيها تلك الأعصاب في مواضعها الجديدة، بأن شيئا مختلفا يحدث داخلها.

16-realigned-nerves-714

عندما كانت أماندا تشعر بوخز ورعشة، كان مخها يتكيف تدريجيا على إرسال إشاراته عبر الأعصاب إلى تلك العضلات، وعندما حصلت على ذراعها الجديد، أصبحت الخطوة التالية هي ضبط ذلك المعالج الدقيق داخلها على اختيار الإشارة الصحيحة وإرسالها إلى المحرك المناسب المسؤول عن فرد الذراع أو إدارة الرسغ، وكلما تذكرت كيف كانت تقف أمام تلك الشاشة التي تسبح فوقها ذراعا افتراضية تستجيب إلى قراراتها النابعة من مخها، فتتحرك على الشاشة، فتقبض كفها أو تدير راحة يدها عندما تريد ذلك، وتحاول إجادة الأمر مرة بعد مرة حتى تحصل على إشارات أقوى وأكثر صحة في كل مرة، عرفت أن تجربتها لم تكن أليمة بالكامل، وإنما بها بعض لحظات الانتصار والسعادة.

بالتدريب المستمر، استطاعت أماندا الإمساك بسكين وشريحة من الخبز، وتغطيتها بزبدة الفول السوداني، كما اعتادت أن تفعل في الأيام الخوالي، أما عن التطوير التالي، فقد تعاون باحثو معهد شيكاجو لإعادة التأهيل مع مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز على إضافة المزيد من المفاصل والمحركات للحصول على مزيد من المرونة، وكذلك إضافة خلايا حساسة على مقدمات الأصابع من أجل الإحساس بملمس الأشياء والإمساك بها بكل سهولة دون تدميرها بعنف.

bionic-arm

أما إيريك شريمب فلا يريد ذراعا صناعية مثل أماندا، فهو ما زال يحتفظ بذراعه سليمة، ويتمنى فقط أن تعود للعمل، فعندما تعرض إلي كسر في عنقه في عام 1992، أصيبت أعضاؤه بالشلل نتيجة انقطاع الإشارات الصادرة من المخ إلى تلك الأعضاء عند منطقة الرقبة، وإن كان يستطيع اليوم القبض براحة يده على أدوات المائدة، فالفضل يعود إلى هانتر بيكهام، مهندس الطب الحيوي بجامعة كيس ويسترن ريسيرف في كليفلاند، فقد زرع فريق بيكهام ثمانية إلكترودات دقيقة تحت الجلد، تبدأ من الصدر وتنتهي عند عضلات أصابع يد إيريك اليمنى.

وعندما ترتعش عضلات صدر إيريك، تبعث بإشارة لاسلكية إلى كمبيوتر دقيق يحمله معه على كرسيه المتحرك، والذي يترجم تلك الإشارة ويعيد إرسالها إلى مستقبل مزروع داخل صدره، يقوم بإرسال تلك الإشارة إلى عضلات الأصابع لكي تتحرك منكمشة أو متمددة، وقد خضع نحو 250 شخصا إلى استخدام تلك التقنية بنجاح.

lead_960

أما إيدن كيني فقد كان طفلا عندما تنبه والداه مبكرا لافتقاده لحاسة السمع، فقد كان لا يتنبه كبقية الأطفال إلى الأصوات حوله، ولولا جراحو مستشفي جون هوبكنز، الذين زرعوا قضبانا رفيعة متصلة داخل قوقعة كل أذن، في ذلك الجزء الداخلي الذي يستقبل موجات الصوت المهتزة، ليلتقط ميكروفونا دقيقا تلك الإهتزازات ثم يرسل الإشارات إلى القضبان التي تمررها مباشرة إلى العصب السمعي، لما استطاع إيدن أن ينتبه للعالم من حوله أو يبدأ في تلفظ الكلمات كما يحدث معه الآن.

150817101046-auditory-brain-implant-graphic-exlarge-169

ليس السمع وحده وإنما البصر أيضا، فقد فقدت جو آن لويس بصرها منذ وقت طويل عندما أصاب شبكية عينها مرضا دمر الخلايا الحساسة للضوء، ولكنها استعادت بصرها بعدما أصبحت واحدة ممن حصدوا نتائج نجاح أبحاث مارك هومايون، متخصص العيون بجامعة جنوب كاليفورنيا، التي أجراها بالتعاون مع شركة Second Sight.

maxresdefault

فبنهاية عام 2006، حصلت السيدة لويس على تلك النظارة المثبت بها كاميرا متطورة ترسل بإشاراتها إلى مستقبل يرسلها إلى مصفوفة من الإلكترودات الملحقة بشبكية العين، وعندما تثار تلك الإلكترودات تثار الخلايا ثم يقوم المخ بمعالجة تلك الإشارات، وكلما زاد العلماء من عدد تلك الإلكترودات كلما كانت الصورة أكثر وضوحا وتفصيلا.

aaeaaqaaaaaaaau_aaaajgixmti4zjezltuwotqtngninc05m2uylte5mgewyzyxy2rjyq

في المخ أيضا حيث تنبع تلك الإشارات، أجرى العلماء العديد من التجارب الناجحة، حيث استطاع بعض الأشخاص تحريك مؤشر الكمبيوتر على الشاشة فقط عبر توصيله بالمخ عندما رغبوا في ذلك، وآخرون على وشك استعادة ذكرياتهم المفقودة عندما يصل العلماء بنجاح إلي التعامل مع المناطق المسؤولة عن ذلك داخل المخ، ولأن التطوير المستمر هو ديدن العلم، فلا يتباهى أحد أنه قد وصل بعد للكمال، ولكنهم كما يقولون دوما، إذا لم يكونوا قد نجحوا بعد في تحقيق مثل تلك المرونة الفائقة التي يتميز بها الجسد البشري فعلي الأقل قد منحوا بعضا منا ذراعا تستطيع أن تمسك شمعة وبصرا يستطيع أن يرى ضوءها في الظلام.

اضغط لتعلق

شارك بردك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

To Top